الشيخ محمد الصادقي الطهراني
218
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أموال الناس ، وفريقاً يتصرف فيه باطلًا من أمواله نفسه ، كذريعة للفريق الاوّل ، فحين يأكل كلَّ أموال المرتشى عليه لم يأكل شخصياً إلّا فريقاً منه إذ أعطى فريقاً كرشاء لاستلابه ، و « لا تأكلوا » نهي عن الأكلين ذريعة ونتاجاً . والباطل بصورة عامة ثابتة ضابطة هو كل ما لا ثمن له في ميزان اللَّه ، فأخذ أموال الناس بما لا ثمن لهام بما دون الثمن غبناً واجحافاً هو اكلٌ بالباطل ، ككل في الاوّل وكبعض في الثاني . و « الإثم » هو كل ما يبطىء عن الحق ، والرشا تبطىء عن حق الحكم ، كما أن أكل المال بالباطل - اياً كان - هو إثم يبطىء المجتمع عن حَيَوية الحياة السليمة ، فلا دور للباطل اياً كان في الحقول الاسلامية عن بكرتها ، ثم ولا يحلِّل حكمُ الحاكم المالَ إذا لم يكن بحق مهما لم يكن هناك الرشا فضلًا عما كانت فيه وكما يروى عن الرسول صلى الله عليه وآله . « 1 » ولقد ذكرت هذه الآية أصدق مصاديق الاكل بالباطل ، إدلاءً إلى الحكام « لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم » وهو ذريعة الرشا « وأنتم تعلمون » أنها من أموال الناس ، وان الرشا إثم ، وأن أكل أموال الناس بها إثم . هذا - ولكن « لا تأكولا أموالكم بينكم بالباطل » تظل على عمومها في حظر الأكل بالباطل ، وهو كل تصرف في مال أو حق بغير حق ، سواءً أكان لك أم لسواك ، حيث المال - أياً كان - هو مال اللَّه ، فلا يحق ان يُتصرف فيه إلَّا بمرضات اللَّه . وترى « لتأكلوا . . » كغاية محرمة تحصر حرمة الرشا فقط فيما يقصد فيها أكل أموال الناس ؟ فإن أدلى مالًا إلى حاكم ليحكم لصالحه استرجاعاً لماله الغصوب جاز ! . أجل يجوز لغاية الحصول على حقه ، ولكن هذه الغاية الصالحة لا تبرر تلك الوسيلة غير الصالحة ، فإنها تحاكم إلى الطاغوت الذي يتميل إلى إمالة المال .
--> ( 1 ) . الدر المنثور 1 : 203 - أخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله ان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : إنما انا بشر مثلكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه فلا يأخذ فإنما اقطع له قطعة من النار . وفي آيات الاحكام للجصاص 1 : 295 حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أسامة بن زيد عن عبداللَّه بن رافع عن أم سلمة قالت : كنت عند رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إنما اقضى بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه فمن قضيت له بحجة أراها فاقتطع بها قطعة ظلماً فإنما يقتطع من النار يأتي بها يوم القيامة في عنقه فبكى الرجلان فقال كل واحد منهما يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حقي لا فقال صلى الله عليه وآله : « لا ولكن اذهبا فتوخيا للحق ثم استهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه »